فلسفة حقوق الإنسان بين الفرد والجماعة:
قراءة في ضوء الميثاق الإفريقي والقانون الدولي, مع إسقاط تحليلي على واقع الشعب الإرتري والشعب العفري
تشكل حقوق الإنسان أحد أهم المنجزات الفكرية والقانونية في التاريخ الحديث، حيث سعت البشرية إلى وضع منظومة أخلاقية وقانونية تضمن كرامة الإنسان وتحميه من التعسف والاستبداد. غير أن هذه المنظومة لم تكن يومًا خالية من الإشكالات الفلسفية، وفي مقدمتها العلاقة الجدلية بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة. فبينما تؤكد المدرسة الليبرالية على مركزية الفرد وحقوقه الطبيعية، تبرز مدارس فكرية وقانونية أخرى أهمية الحقوق الجماعية بوصفها شرطًا لحماية الهوية والوجود الثقافي للشعوب.
وقد حاول القانون الدولي الحديث، ولا سيما من خلال الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تقديم نموذج متوازن يجمع بين البعدين الفردي والجماعي في إطار رؤية أكثر شمولًا لحقوق الإنسان، تنطلق من الخصوصية التاريخية والاجتماعية للقارة الإفريقية.
أولًا: الأساس الفلسفي لحقوق الإنسان الفردية
تقوم فلسفة حقوق الإنسان الفردية على فكرة أن الإنسان يمتلك حقوقًا طبيعية ملازمة لوجوده، وهي حقوق لا تمنحها الدولة بل تلتزم بحمايتها. وقد تأثرت هذه الرؤية بفلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك وجان جاك روسو، وبالفلسفة الأخلاقية لإيمانويل كانط التي اعتبرت الإنسان غاية في ذاته لا وسيلة.
وقد تجسدت هذه الفلسفة بوضوح في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي أكد في مادته الأولى أن جميع البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. كما عززها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي كرس حماية الحريات الأساسية مثل حرية التعبير، وحرية المعتقد، والحق في الحياة، والحرية الشخصية، والمحاكمة العادلة.
ويكمن جوهر هذا البعد في حماية الفرد من تعسف السلطة السياسية أو استبداد الجماعة، بوصف الفرد الوحدة الأساسية التي تقوم عليها أي منظومة قانونية عادلة.
ثانيًا: فلسفة حقوق الإنسان الجماعية
في مقابل الطرح الفرداني، برزت فلسفة الحقوق الجماعية بوصفها استجابة نقدية لتجارب شعوب عانت من الاستعمار والهيمنة والإقصاء. فهذه الفلسفة تنطلق من أن الإنسان كائن اجتماعي تتشكل هويته داخل جماعة ثقافية ولغوية وتاريخية، وأن بعض الحقوق لا يمكن ممارستها إلا في إطار جماعي.
وقد كرّس الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981) هذا التوجه بصورة غير مسبوقة، حيث اعترف صراحة بحقوق الشعوب إلى جانب حقوق الأفراد. فنصت المادة (19) على المساواة بين الشعوب، وأكدت المادة (20) حقها غير القابل للتصرف في تقرير المصير والوجود، بينما أقرت المادة (21) حق الشعوب في التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية، والمادة (22) حقها في التنمية الشاملة.
ويعكس هذا التوجه وعيًا إفريقيًا خاصًا بأن انتهاكات حقوق الإنسان في القارة لم تستهدف الأفراد فحسب، بل طالت شعوبًا بأكملها جرى تهميشها أو اقتلاعها أو حرمانها من مواردها وهويتها.
ثالثًا: جدلية العلاقة بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة
تُعد العلاقة بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة من أكثر الإشكالات تعقيدًا في الفلسفة الحقوقية. فالإفراط في تقديس الجماعة قد يؤدي إلى تبرير انتهاك الحقوق الفردية باسم التقاليد أو المصلحة العامة، في حين أن التركيز الأحادي على الفرد قد يُستخدم لتجاهل المظالم الجماعية التي تعاني منها الشعوب والأقليات.
وقد حاول الميثاق الإفريقي تجاوز هذه الثنائية الصراعية عبر تبني مقاربة تكاملية، حيث جمع بين حماية الحقوق الفردية وإقرار الحقوق الجماعية، وربط ذلك بمنظومة من الواجبات الاجتماعية. فقد نصت المادة (27) على أن لكل فرد واجبات تجاه أسرته ومجتمعه والدولة، بما يعكس تصورًا أخلاقيًا يوازن بين الحرية والمسؤولية.
رابعًا: إسقاط فلسفة الحقوق على واقع الشعب الإرتري والشعب العفري
بالنظر إلى ما تقدم، تتضح بجلاء الهوة الواسعة بين المبادئ التي أرستها فلسفة حقوق الإنسان، كما كرّسها القانون الدولي والميثاق الإفريقي، وبين الواقع الذي يعيشه الشعب الإرتري عمومًا، والشعب العفري في إرتريا على وجه الخصوص.
فمنذ أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، يتعرض الشعب العفري لسلسلة من الانتهاكات الممنهجة، تشمل التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي المتعمد، ومصادرة الأراضي، ونهب الممتلكات، إضافة إلى الخطف والاعتقالات التعسفية. وهي ممارسات لا تستهدف أفرادًا بعينهم فحسب، بل تضرب في عمق الوجود الجماعي للشعب العفري وهويته التاريخية على أرضه.
فعلى المستوى الفردي، تشكل هذه السياسات انتهاكًا واضحًا للمواد (4) و(5) و(6) من الميثاق الإفريقي، التي تحمي الحق في الحياة والسلامة الجسدية وتحظر الاعتقال التعسفي والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية. كما تتعارض مع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة ما يتعلق بالحرية الشخصية والضمانات القضائية.
أما على المستوى الجماعي، فإن ما يتعرض له الشعب العفري يمثل انتهاكًا مباشرًا لحقوق الشعوب كما وردت في المواد (19–22) من الميثاق الإفريقي. إذ إن نزع الشعب من أرضه التاريخية، وحرمانه من موارده، والسعي إلى تفكيك بنيته السكانية، يشكل مساسًا جوهريًا بحقه في الوجود وتقرير المصير والتنمية، ويرقى، وفق معايير القانون الدولي، إلى شكل من أشكال الاضطهاد الجماعي والإبادة الثقافية.
